منتدى التواصل العلمي
يهتم بلأبحاث و الدراسات في اللغة والأدب وتحليل الخطاب

تحليل سيميائي لرؤيا أبي الحسن الأشعري

اذهب الى الأسفل

تحليل سيميائي لرؤيا أبي الحسن الأشعري

مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 17, 2010 3:32 pm

تحليل سيميائي لرؤيا أبي الحسن الأشعري 2
الفصل الأول.
ـ تحديدات أولية:i
1ـ أبو الحسن الأشعري والرؤيا:
"ولد أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل بالبصرة عام 260 هـ والتحق منذ صباه بالمعتزلة، فدرس أصولهم على اشهر أئمتهم في ذلك العصر وهو أبو علي الجبائي. والتزم أبو الحسن (الأشعري) مذهب الاعتزال حتى سن الأربعين ودافع عن الاعتزال وألف في تلك الفترة من حياته كتبا عديدة في نصرة هذا المذهب.
وفي سن الأربعين احتبس في داره ما لا يقل عن خمسة عشر يوما، خرج بعدها إلى مسجد البصرة حيث ارتقى المنبر ونادى في الناس:"أنا علي بن إسماعيل الأشعري كنت أومن بمذهب الاعتزال وكنت أقول بخلق القرآن وان الله لا تراه الأبصار، منكرا أن تكون لله صفات إيجابية .. وأنا تائب مخلع معتقد الرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعاييبهم."
تضاربت الآراء حول الأسباب التي أدت إلى هذا التحول الكبير في حياة الأشعري، وخروجه على المعتزلة بهذه الصورة الفجائية. فهناك من يقول إن الأشعري رأى النبي ثلاث مرات في نومه، وسمع في نفسه هاتفا داخليا يدعوه إلى الهداية النبوية
وقد أورد ابن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري) روايات يجري فيها ذكر منامات رأى فيها الأشعري النبي الذي دعاه إلى اتباع سنته، وأهم هذه الروايات، تلك التي تنسب غلى الإمام أبي عبد الله الحسين بن محمد وكذلك الرواية التي تنسب إلى أبي الحسن بن محمد بطبرستان ، حيث تروي الروايتان تفاصيل المنامات الثلاث. ولا يوجد اختلاف كبير بين الروايتين من حيث المحتوى والبناء، فكلتاهما تتعرضان للمنامات الثلاث.
وقد اخترنا الرواية الأولى، والتي تنسب إلى الإمام أبي عبد الله بن محمد، موضوعا للتحليل السيميائي. ونحن حين نختار هذه الرواية للتحليل، فذلك لا يعني أننا نهمش الرواية الأخرىن فللروايتين معا أهميتهما التاريخية والدلالية، وهما معا تشكلان وثيقة تاريخية ونصا تراثيا، ومكونا من مكونات ثقافتنا العربية الإسلامية، وبالضبط مكونا هاما من تاريخ علم الكلام.
ومن هنا سنصنف هذا النص ضمن الخطاب الكلامي، فهو من حيث ظروفه، يمثل نقطة تحول في تاريخ علم الكلام. وبالضبط التحول من مذهب الاعتزال غلى المذهب الأشعري، وبالنسبة لأبي الحسن الأشعري خاصة والصراع بين المذهبين عامة.
من خلال طبيعة النص "الرواية" كنص سردي يحتوي على مؤشرات وتحقيقات سردية، سنتعامل معه ، أي النص، كأي نص سردي، قابل للتحليل السيميائي، معتمدين على سميوطيقا السرد التي وضعها ونحث معالمها النظرية "أ.ج. كريماص". كما سنعمل على توظيف الإجراءات والمفاهيم السيميائية الموظفة في كتاب " التحليل السميوطيقي للنصوص" لجماعة أنتروفرن
2 ـ النص وثلاثية التمفصل:
تميز سميوطيقا السرد بين الإجراء والتحليل، وقبل تحليل النص سوف نقوم بأول خطوة إجرائية، وهي عملية التقطيع، وذلك من أجل تحديد مقاطع النص الأساسية. فالنص ينهض على أساس مقاطع نصية تخلق بناءه العام. وللسيطرة على النص حددت سيميوطيقا السرد إجراء أوليا. وهو التقطيع، اجل التمثل المنهجي للمسار التوليدي للدلالة.
وقد حددت سيميوطيقا السرد معايير لتقطيع النص، وفي هذا التحديد ألغت ذات القارئ او المحلل، بحيث يقطع النص موضوعيا. فكل نص يتمفصل إلى مقاطع انطلاقا من مؤشرات محايثة. وقد حدد كريماص المقطع بقوله:
" كل مقطع سردي قادر على أن يكون بمفرده حكاية مستقلة، وأن تكون له غايته الخاصة به، ولكن يمكن أن يدرج ضمن حكاية اعم، وأن يؤدي وظيفة خاصة" .
فحسب هذا التحديد يمكن تحديد النص السردي كتسلسل وتضمن لعدة مقاطع، فالنص السردي تشكيل تساهم فيه عدة مقاطع، وكل مقطع له مكوناته ومؤشر استقلاليته، وبالتالي يمكن تحديد المقاطع انطلاقا من عدة مؤشرات تعكس بناء واستقلالية المقطع ويمكن اختزال هذه المؤشرات او المعايير في :
معياز زمني، معيار مكاني ومعيار تيماتيكي (التقطيع حسب التيمة المهيمنة في المقطع). فهذه المعايير تخترق كل النصوص السردية وبالتالي تتمفصل النصوص من خلالها إلى مكونات ومقاطع تساهم بتعالقها في نسج الخطاب وتشكيل لعبة الدلالة وتحديد شكل اشتغالها.
انطلاقا من التحديد النظري الذي وضعه "كريماص" للمقطع سنقوم بعملية تقطيع النص إلى ثلاثة مقاطع:
ـ يبتدئ المقطع الأول من أول كلمة في الخطاب "سمعت غير واحد من أئمتنا ... إلى ...أبي الحسن بن إسماعيل أنه قال"
يتميز هذا المقطع بقصره. منتجه هو السارد أي الراوي، ويبين حالة يوجد عليها "أبو الحسن علي بن إسماعيل"، وهي حال الانفصال عن الموضوع الأول: مذهب الاعتزال. ويمكن أن نسمي هذا المقطع بالمقطع الاستذكاري، فأقواله السردية تفتتح الخطاب من خلال عملية الاسترجاع أو الاستذكار. وبالتالي يمكن الحديث عن تيمة الاستذكار. فعامل التواصل الول سيحكي لعامل التواصل الثاني ما سمعه من حكايات عن الأئمة حول كيفية "رجوع الإمام المبرأ من الزيغ والتضليل أبي الحسن علي بن إسماعيل". إن فعلي الاستذكار والحكي يهيمنان على المقطع وذلك من خلال المسار التصويري للمقطع، فهناك عدة وحدات معجمية تترجم فعل الرغبة في الاستذكار والحكي، وهي المشكلة للمسار التصويري التالي:
"سمعت غير واحد من أئمتنا يحكي كيف كان بدء رجوع الإمام... أنه قال "، تعلن عن رغبة الحكي انطلاقا من الاستذكار. وتكثف رغبة الحكي انطلاقا من عملية الاسترجاع من خلال الصورة "بأنه قال"التي تطرح أفقا للانتظار، انتظار أن يحكي عامل التواصل الأول على القل حكاية لواحد من هؤلاء الأئمة حول رجوع الإمام، أو حول انفصاله عن الموضوع الأول (الاعتزال) واتصاله بالموضوع الثاني (مذهب الأشاعرة أو نصرة أهل السنة). وقد ورد في الخطاب الوحدة المعجمية "أئمتنا" والتي لها عدة مقومات، كمقوم الثقة، سعة المعرفة، التفقه في الدين... فعامل التواصل الثاني مدعو غلى الاستماع إلى حكاية من حكايات سمعها عامل التواصل الأول من أهل الثقة وسعة المعرفة وأهل الدين حول عزوف الإمام عن طرق التضليل والزيغ.
فالمقطع الأول هو مقطع الافتتاح والاستذكار. افتتاح السرد من خلال استرجاع الماضي. فيمكن الحديث إذن عن زمن الاستذكار وزمن الحكي في المقطع الول.
المقطع الثاني وهو أطول مقطع في النص. يبتدئ من "بينا أنا نائم في العشر الأول من شهر رمضان... إلى ... أنك لا تراني في هذا المعنى بعدها، فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده".
يتمفصل هذا المقطع إلى ثلاث مكونات، وهي ما يشكل المنامات الثلاث. وعلى المستوى الزمنين ينهض المقطع على مفارقة زمنية، زمن الحلم/الرؤيا وزمن واقعي/ فيزيقي. ويتميزهذا المقطع بحالة الانفصال عن الموضوع الثاني (المذهب الأشعري)ن ويظهر معيار آخر وهو المعيار المكاني، فالمقطع يتأطر في مكان واحد، هو البيت. ويمكن صياغة هذا المقطع في الشكل التالي:
الزمان:ـــــــــــــــــــــ الحلم/الحقيقة /رمضان
المقطع الثاني:
المكان :ــــــــــــــــــــــــــ البيت
أما المقطع الثالث والأخير فيبتدئ من : "قال (أي الأشعري) فاستيقظت وقلت .... إلى.... الذي بشرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم". يتميز هذا المقطع بحالة الاتصال. اتصال العامل الذات بموضوع القيمة، ويتأطر في زمن حقيقي واقعي.
تحليل سيميائي لرؤيا أبي الحسن الأشعري 2
الفصل الأول.
ـ تحديدات أولية:i
1ـ أبو الحسن الأشعري والرؤيا:
"ولد أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل بالبصرة عام 260 هـ والتحق منذ صباه بالمعتزلة، فدرس أصولهم على اشهر أئمتهم في ذلك العصر وهو أبو علي الجبائي. والتزم أبو الحسن (الأشعري) مذهب الاعتزال حتى سن الأربعين ودافع عن الاعتزال وألف في تلك الفترة من حياته كتبا عديدة في نصرة هذا المذهب.
وفي سن الأربعين احتبس في داره ما لا يقل عن خمسة عشر يوما، خرج بعدها إلى مسجد البصرة حيث ارتقى المنبر ونادى في الناس:"أنا علي بن إسماعيل الأشعري كنت أومن بمذهب الاعتزال وكنت أقول بخلق القرآن وان الله لا تراه الأبصار، منكرا أن تكون لله صفات إيجابية .. وأنا تائب مخلع معتقد الرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعاييبهم."
تضاربت الآراء حول الأسباب التي أدت إلى هذا التحول الكبير في حياة الأشعري، وخروجه على المعتزلة بهذه الصورة الفجائية. فهناك من يقول إن الأشعري رأى النبي ثلاث مرات في نومه، وسمع في نفسه هاتفا داخليا يدعوه إلى الهداية النبوية
وقد أورد ابن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري) روايات يجري فيها ذكر منامات رأى فيها الأشعري النبي الذي دعاه إلى اتباع سنته، وأهم هذه الروايات، تلك التي تنسب غلى الإمام أبي عبد الله الحسين بن محمد وكذلك الرواية التي تنسب إلى أبي الحسن بن محمد بطبرستان ، حيث تروي الروايتان تفاصيل المنامات الثلاث. ولا يوجد اختلاف كبير بين الروايتين من حيث المحتوى والبناء، فكلتاهما تتعرضان للمنامات الثلاث.
وقد اخترنا الرواية الأولى، والتي تنسب إلى الإمام أبي عبد الله بن محمد، موضوعا للتحليل السيميائي. ونحن حين نختار هذه الرواية للتحليل، فذلك لا يعني أننا نهمش الرواية الأخرىن فللروايتين معا أهميتهما التاريخية والدلالية، وهما معا تشكلان وثيقة تاريخية ونصا تراثيا، ومكونا من مكونات ثقافتنا العربية الإسلامية، وبالضبط مكونا هاما من تاريخ علم الكلام.
ومن هنا سنصنف هذا النص ضمن الخطاب الكلامي، فهو من حيث ظروفه، يمثل نقطة تحول في تاريخ علم الكلام. وبالضبط التحول من مذهب الاعتزال غلى المذهب الأشعري، وبالنسبة لأبي الحسن الأشعري خاصة والصراع بين المذهبين عامة.
من خلال طبيعة النص "الرواية" كنص سردي يحتوي على مؤشرات وتحقيقات سردية، سنتعامل معه ، أي النص، كأي نص سردي، قابل للتحليل السيميائي، معتمدين على سميوطيقا السرد التي وضعها ونحث معالمها النظرية "أ.ج. كريماص". كما سنعمل على توظيف الإجراءات والمفاهيم السيميائية الموظفة في كتاب " التحليل السميوطيقي للنصوص" لجماعة أنتروفرن
2 ـ النص وثلاثية التمفصل:
تميز سميوطيقا السرد بين الإجراء والتحليل، وقبل تحليل النص سوف نقوم بأول خطوة إجرائية، وهي عملية التقطيع، وذلك من أجل تحديد مقاطع النص الأساسية. فالنص ينهض على أساس مقاطع نصية تخلق بناءه العام. وللسيطرة على النص حددت سيميوطيقا السرد إجراء أوليا. وهو التقطيع، اجل التمثل المنهجي للمسار التوليدي للدلالة.
وقد حددت سيميوطيقا السرد معايير لتقطيع النص، وفي هذا التحديد ألغت ذات القارئ او المحلل، بحيث يقطع النص موضوعيا. فكل نص يتمفصل إلى مقاطع انطلاقا من مؤشرات محايثة. وقد حدد كريماص المقطع بقوله:
" كل مقطع سردي قادر على أن يكون بمفرده حكاية مستقلة، وأن تكون له غايته الخاصة به، ولكن يمكن أن يدرج ضمن حكاية اعم، وأن يؤدي وظيفة خاصة" .
فحسب هذا التحديد يمكن تحديد النص السردي كتسلسل وتضمن لعدة مقاطع، فالنص السردي تشكيل تساهم فيه عدة مقاطع، وكل مقطع له مكوناته ومؤشر استقلاليته، وبالتالي يمكن تحديد المقاطع انطلاقا من عدة مؤشرات تعكس بناء واستقلالية المقطع ويمكن اختزال هذه المؤشرات او المعايير في :
معياز زمني، معيار مكاني ومعيار تيماتيكي (التقطيع حسب التيمة المهيمنة في المقطع). فهذه المعايير تخترق كل النصوص السردية وبالتالي تتمفصل النصوص من خلالها إلى مكونات ومقاطع تساهم بتعالقها في نسج الخطاب وتشكيل لعبة الدلالة وتحديد شكل اشتغالها.
انطلاقا من التحديد النظري الذي وضعه "كريماص" للمقطع سنقوم بعملية تقطيع النص إلى ثلاثة مقاطع:
ـ يبتدئ المقطع الأول من أول كلمة في الخطاب "سمعت غير واحد من أئمتنا ... إلى ...أبي الحسن بن إسماعيل أنه قال"
يتميز هذا المقطع بقصره. منتجه هو السارد أي الراوي، ويبين حالة يوجد عليها "أبو الحسن علي بن إسماعيل"، وهي حال الانفصال عن الموضوع الأول: مذهب الاعتزال. ويمكن أن نسمي هذا المقطع بالمقطع الاستذكاري، فأقواله السردية تفتتح الخطاب من خلال عملية الاسترجاع أو الاستذكار. وبالتالي يمكن الحديث عن تيمة الاستذكار. فعامل التواصل الول سيحكي لعامل التواصل الثاني ما سمعه من حكايات عن الأئمة حول كيفية "رجوع الإمام المبرأ من الزيغ والتضليل أبي الحسن علي بن إسماعيل". إن فعلي الاستذكار والحكي يهيمنان على المقطع وذلك من خلال المسار التصويري للمقطع، فهناك عدة وحدات معجمية تترجم فعل الرغبة في الاستذكار والحكي، وهي المشكلة للمسار التصويري التالي:
"سمعت غير واحد من أئمتنا يحكي كيف كان بدء رجوع الإمام... أنه قال "، تعلن عن رغبة الحكي انطلاقا من الاستذكار. وتكثف رغبة الحكي انطلاقا من عملية الاسترجاع من خلال الصورة "بأنه قال"التي تطرح أفقا للانتظار، انتظار أن يحكي عامل التواصل الأول على القل حكاية لواحد من هؤلاء الأئمة حول رجوع الإمام، أو حول انفصاله عن الموضوع الأول (الاعتزال) واتصاله بالموضوع الثاني (مذهب الأشاعرة أو نصرة أهل السنة). وقد ورد في الخطاب الوحدة المعجمية "أئمتنا" والتي لها عدة مقومات، كمقوم الثقة، سعة المعرفة، التفقه في الدين... فعامل التواصل الثاني مدعو غلى الاستماع إلى حكاية من حكايات سمعها عامل التواصل الأول من أهل الثقة وسعة المعرفة وأهل الدين حول عزوف الإمام عن طرق التضليل والزيغ.
فالمقطع الأول هو مقطع الافتتاح والاستذكار. افتتاح السرد من خلال استرجاع الماضي. فيمكن الحديث إذن عن زمن الاستذكار وزمن الحكي في المقطع الول.
المقطع الثاني وهو أطول مقطع في النص. يبتدئ من "بينا أنا نائم في العشر الأول من شهر رمضان... إلى ... أنك لا تراني في هذا المعنى بعدها، فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده".
يتمفصل هذا المقطع إلى ثلاث مكونات، وهي ما يشكل المنامات الثلاث. وعلى المستوى الزمنين ينهض المقطع على مفارقة زمنية، زمن الحلم/الرؤيا وزمن واقعي/ فيزيقي. ويتميزهذا المقطع بحالة الانفصال عن الموضوع الثاني (المذهب الأشعري)ن ويظهر معيار آخر وهو المعيار المكاني، فالمقطع يتأطر في مكان واحد، هو البيت. ويمكن صياغة هذا المقطع في الشكل التالي:
الزمان:ـــــــــــــــــــــ الحلم/الحقيقة /رمضان
المقطع الثاني:
المكان :ــــــــــــــــــــــــــ البيت
أما المقطع الثالث والأخير فيبتدئ من : "قال (أي الأشعري) فاستيقظت وقلت .... إلى.... الذي بشرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم". يتميز هذا المقطع بحالة الاتصال. اتصال العامل الذات بموضوع القيمة، ويتأطر في زمن حقيقي واقعي.
ـ البنية الأولية للدلالة في النص /الرؤيا:iii
ـ 1ـ المقولات الاثنانية : اشتغال النفي/الإثبات:
إن النص يتشكل عبر تعالق مستويين:
ـ المستوى العميق أو المورفولوجيا؛
ـ المستوى السطحي.
وسنعمل على مقاربة اشتغال الدلالة في النص، وهذا يعني تموضعنا في المستوى العميق. وسنعمل على ضبط شكل وكيفية اشتغال الدلالة، إذ سنعمل على تحديد الفضاء العام للدلالة وضبط حركيتها.
إن النص سلسلة من المسارات التصويرية، والتي بدورها تتشكل من سلسلة من المعجمية، والتي تتشكل من مقومات. فالمسارات التصويرية ومن خلال تشغيلها لهذه الوحدات المعجمية تولد الدلالة، وتحدد كيفية اشتغالها، فالدلالة تنمو مع نمو الخطاب، وتحدد هويتها من خلال لعبة الاختلاف. فالدلالة ليست ممكنة إلا من خلال الاختلاف، وحتى المعنى لا يمكن تحصيله إلا من خلال لعبة الاختلافات. والاختلاف ميكانزم نصي يترجم عبر الثنائيات. إن النص يتشكل كنسق علائقي للثنائيات. وعلى هذا الأساس سنعمل على تحديد الثنائيات التي يشتغل بها النص، والتي تحدد الفضاء العام للدلالة، وتعتبر عملية الكشف عن المقولة الاثنانية أول خطوة نحو بناء الدلالة.
انطلاقا من المسارات التصويرية والوحدات المعجمية التالية:
"يا علي! انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق"
"إنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني فإنها الحق"
"المصطفى"
"الرسول صلعم"
"الباري عز وجل"
"قد خرجت المذاهب المروية عنك وجوها يحتملها الكلام"
"كيف كان بدء رجوع الإمام المبرأ من الزيغ والتضليل أبي الحسن"
"ما بعد الحق إلا الضلال"
تتضح ثنائية أساسية يشتغل من خلالها النص وهي ثنائية :الحق/الضلال؛ والتي تعتبر ثنائية مهيمنة في النص. بل إن النص ككل هو تمطيط لها.فمن خلال هذه الثنائية يتناسل النص، وهنا يمكن الحديث عن المسار التوليدي للنص والخطاب. فالنص ككل ينمو انطلاقا من هذه الثنائية، وكل الثنائيات الأخرى المشكلة للنص تابعة للثنائية "الحق/الضلال"، والتي سنعمل على تسميتها بالثنائية النواة إذ هي نواة النص، فهي بؤرة توتر، ومن خلالها يعمل النص على حفر شكل دلالته، وتكثيف الثنائية النواة بتسخير ثنائيات أخرى، تسعى إلى ضمان انسجامها، وسنطلق على هذه الثنائيات اسم ثنائيات الاستعمال، لكونها تشغل من طرف الثنائية النواة لتحقيق الانسجام ونحت الدلالة. والثنائيات لا تتمظهر في النص، بل يجب على التحليل أن يقوم ببنائها انطلاقا من المسارات التصويرية والمقومات السياقية.
وهذه الثنائيات هي:
انفصال/اتصال؛
دين/لا دين؛
حقيقة/زيف؛
خلود/فناء؛
صدق /كذب؛
صواب/خطأ؛
خير/شر؛
أشاعرة/معتزلة.
فكل هذه الثنائيات تتكثف لتشكيل الثنائية المركزية أو المقولة الإثنانية النواة: حق/ضلال.
وهكذا نجد تيمة الاتصال بالمذهب الأشعري، الدين الحقيقة، الخلود، الصدق، الصواب والخير، تشكل تيمة الحق. أما تيمة لا دين، فناء، كذب، خطأ ، المعتزلة، فتشكل تيمة الضلال.
إن النص ينهض من خلال هذا التقابل : الحق/الضلال، ويؤسس بنيانه انطلاقا من تمفصله، والدلالة تتمظهر انطلاقا من هذا التمفصل، إذ تتأسس على الاختلاف والازدواج، على الثنائيات والتي بدورها تبنى من خلال تكثيف تيمات متقابلة، تترجم على مستوى الخطاب في المسارات التصويرية. وسنعمل على الكشف على كيفية بناء المقولة الإثنانية في النص، وذلك من خلال تقصي بنائها في كل مقطع على حده، ثم بعد ذلك العمل على بناء نموذج لها، وللتيمة المركزية، تيمة "الحق" في النص. أي سنعمل على بناء العلاقات والعمليات المؤسسة للدلالة. فالمستوى العميق حسب سيميوطيقا السرد يتكون من علاقات منطقية ومن عمليات، فمن خلال هذه العلاقات المتميزة بالثبات تتأسس الدلالة.
"فالمقومات المستخرجة من داخل الكون الدلالي للنص، توجد موضوعة في علاقة مع بعضها البعض، فقد حددت هذه العلاقات في علاقة التضاد ،علاقة التناقض وعلاقة التضمن؛ عندنا إذن مجموع منظم من العلاقات والحدود المتمثلة في هذا المجموع لا قيمة لها إلا من خلال العلاقة الموجودة بينها" .
أما على مستوى العمليات، فإن النص ليس فقط مجموعة من العلاقات الثابتة والمصنفة من خلال المربع السيميائي، بل إنه كذلك مجموعة من العمليات والتحولات من قيمة لأخرى، والمربع السيميائي وكما يرصد العلاقات يمثل كذلك العمليات التي تمثل دينامية النص على المستوى الدلالي، إن النص ليس تصنيفا لقيم المعنى فقط... غنه تحول من قيمة إلى أخرى، كشبكة عمليات حيث توجد قيم المعنى متحولة .
إن المقولة الإثنانية تحضر منذ المقطع الأول، فمن خلال هذا المقطع تتمظهر كل من تيمة "الحق" وتيمة "الضلال"، وذلك عبر مقومات وآثار المعنى للوحدات المعجمية المكونة للمقطع. فنجد مقوم الرجوع، التوبة والتراجع من خلال القول السردي التالي:
"رجوع الإمام المبرأ من الزيغ والتضليل أبي الحسن علي ابن إسماعيل"
فهذه المقومات تشكل تيمة "الحق". فالقول السردي باعتباره مسارا تصويريا يحقق من خلال مقوم التوبة تيمة "الحق"، والتوبة إلى الحق وترك الباطل(الانفصال عن الاعتزال والاتصال بالمذهب الأشعري). ومقوم التوبة بقدر ما يساهم في تكثيف تيمة "الحق"، يساهم في تشكيل تيمة"الضلال". فالتوبة إعلان عن انفصال عن موضوع (ماض ضال)، وتترجم تيمة"ضلال"على مستوى الخطاب من خلال المسار التصويري التالي:
"سمعت غير واحد من أئمتنا يحكي كيف كان بدء رجوع الإمام المبرأ من الزيغ والتضليل أبي الحسن.."
حيث تساهم الوحدة المعجمية "رجوع" في تكوين مقوم سياقي وهو "التوبة"، ويعاد إنتاج هذا المقوم السياقي من خلال الوحدة المعجمية "المبرأ" الذي له عدة مقومات منها: "الطهارة"،"النقاء"و"البراءة".. ثم الصورة التالية:"المبرأ من الزيغ والتضليل"المكونة للمقوم السياقي "التوبة". فمن خلال ميكانزم الاختلاف، الوحدة المعجمية "المبرأ" وأثار المعنى "البراءة ـ النقاء ـ الطهارة" لا تدل إلا من خلال اختلافها وتعارضها مع "اللامبرأ" أو "الضلال".
فالتبرئة أو عدم التبرئة (الضلال) من الزيغ والتضليل رهين بمدى رجوع الإمام أو عدم رجوعه عن مذهب الضلال (الاعتزال)، فرجوعه (الانفصال عن الاعتزال) يضمن تبرئته من الزيغ والتضليل، والعكس صحيح، وهكذا نجد المقوم النووي "براءة" للوحدة المعجمية " لا يمكن أن يتحقق بالفعل ليس فقط مع تعارضه مع اللامبرأ، بل يفرض رجوع الإمام عن مذهب الاعتزال، مذهب الضلال، فتنشأ العلاقة التاليةن والتي سنمثلها من خلال الشكل التالي:
الإمام = الحق # الضلال.
ـ المبرأ من الزيغ والتضليل # الرجوع ـ اللامبرأ من الزيغ والتضليل = الرجوع
ـ الانفصال عن الموضوع الأول :الاعتزال ـ الاتصال بالموضوع الأول: الاعتزال
ـ الاتصال بالموضوع الثاني : الأشعرية.
إن زمن الرجوع هو زمن التبرئة،والتي تتحدد من خلال التوبة، إذ تفترض التبرئة فعل التوبة، أي التوحد بالحق. ففعل التبرئة لا يتحقق إلا إذا تحقق فعل الرجوع. فأبو الحسن ضال وغير مبرأ مادام لم يتراجع. وهو مبرا مادام قد رجع. إن فعل الرجوع هو فعل التبرئة التي هي الوجه الآخر للحق. هكذا نجد في هذا المقطع محاولة بناء المقولة الإثنانية وهذا ليس غريبا، إذ المقطع يعتبر تكثيفا للنص، ففيه تتحقق الدلالة بالقوة وتتحدد سماتها الأولية.
وهكذا نجد المقومات التالية: "التراجع"(رجوع) التوبة التبرئة تنحت المقولة الإثنانية: الحق/الضلال. فالمعالم الأساسية للدلالة تظهر منذ المقطع الأول، وما سيعمله المقطعان الثاني والثالث هو تكثيف هذه المعالم من خلال ميكانزم "الحشو" والتكرار والتمطيط . ففي المقطع الثاني نجد الممثل "أبا الحسن" يحكي عن كيفية تحقق مقوم "التوبة" أو "التراجع" فيقول: "بينا أنا نائم في العشر الأول من شهر رمضان رأيت المصطفى ـ صلعم ـ فقال : يا علي! انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق، فلما استيقظت دخل علي أمر عظيم".
من خلال هذا القول السردي تتضح جليا تيمة "الحق" المتشكلة من خلال عدة صور ووحدات معجمية، إذ نجد الوحدتين المعجميتين: "شهر رمضان، المصطفى". والقول السردي: "يا علي! انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق"، فالوحدة المعجمية "رمضان"، ومن خلال مقوماتها : "التوبة، الغفران، البركة، نزول القرآن"، تساهم في بناء تيمة "الحق" ( كما تساهم في بناء تيمة الضلال)، انطلاقا من كون ـ رمضان ـ فصل بين مقومين متناقضين : حق/ضلال.
فرمضان إشارة إلى الحق، إنه رمز الحق، وتعتبر الوحدة المعجمية "رمضان" علامة مرجعية لها دلالتها النصية والثقافية. إن الوحدة المعجمية "المصطفى" تعتبر على مستوى الخطاب شخصية مرجعية لها كذلك وظيفتها في النص. والرسول كوحدة معجمية له عدة مقومات، فهو نبي، هداية للناس، مظهر الحق من الباطل، وهو حسب القرآن منقذ البشرية من الضلال إلى الحق. والقول السردي يوضح هذه المقومات وخاصة مقوم "الهداية"، فهو يأمر أبا الحسن بنصرة المذاهب المروية عنه، فإنها "الحق"، ففي هذا القول هناك إشارة صريحة إلى تيمة "الحق"، فحسب هذا الملفوظ "الحق" هو المذاهب المروية عن الرسول. وهذه المذاهب هي طبعا المذاهب الأربعة :المذهب الشافعي، الحنبلي، المالكي والحنفي.
فالحق يكمن حسب هذا القول السردي في نصرة هذه المذاهب، كما أن الحق متحقق كذلك في ذات المذاهب. إذ يعتبر الحق مقوما نوويا للمذاهب المروية.
إن الدلالة لا تتحقق إلا من خلال الاختلاف. وتيمة الحق لا تتحقق إذن إلا من خلال تعارضها مع تيمة الضلال، والذي يساهم في تكثيفه عدة مقومات سياقية وكذا تساهم في بنائه التيمة النقيض :"الحق". إن تيمة الحق تتكثف من خلال تكرار عدة وحدات معجمية مشتغلة في مسارات تصويرية مشكلة للخطاب. وهكذا سنجد من جديد تكرار "النبي"، رمضان" وذلك من خلال القول السردي التالي:
"حتى كان العشر الأوسط فرأيت النبي ـ صلعم ـ في المنام"
تبنى تيمة "الحق"، ونجد كذلك علامة مرجعية تساهم في تكثيف تيمة "الحق" وهي "الرؤيا". فالرؤيا في الثقافة العربية الإسلامية مرتبطة بمرجعية دينية، وخاصة الرؤيا الصادقة التي تعتبر من آليات الوحي. فالرؤيا تحيل على الهداية التي تساهم في بناء تيمة "الحق". فالرؤيا تساهم في بناء سياق الهداية والحق وبذلك تساهم في بناء تشاكل الدلالة وانسجامها.
في المقطع الثاني نجد عدة أقوال سردية تكثف ثنائية "الحق/الضلال" من خلال تقنية التكرار والحشو، وهكذا تتحقق تيمة "الحق" في أقوال سردية عديدة ومتكررة كالقول السردي التالي الذي يتكرر: "انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق" ثم "إنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني فإنها الحق". وتتكثف هذه الثنائية من خلال الأقوال التالية :
ـ " أجمعت على ترك الكلام، واتبعت الحديث وتلاوة القرآن"؛
ـ "تركت الكلام ولزمت كتاب الله وسنتك"؛
ـ "لولا أني أعلم أن الله تعالى سيمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها"،
ـ "فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده".
فكل هذه الأقوال تكثف ثنائية "الحق/الضلال"، وتتمظهر من خلالها تيمة "الحق" بشكل واضح.
كما تتمظهر تيمة "الحق" من خلال المسارات التصويرية التالية:
"بينا أنا نائم ـ رأيت المصطفى في المنام ـ فلما وصلت إلى البيت نمت فرأيت النبي". فهذه المسارات تشير إلى الرؤيا، حيث تحيل إلى الهداية، وتكثف تيمة "الحق".
كما نجد في المقطع ظهور صورة "رمضان" من جديد، والمتحققة ثلاث مرات:
"العشر الأول من شهر رمضان ـ حتى العشر الوسط ـ فلما كانت ليلة سبع وعشرين". ففي هذه المسارات نجد "رمضان" كعلامة مرجعية وكحضور زمني ورمزي، وتكثيف لتيمة "الحق". كما نجد في نفس المقطع تكرار صورة "النبي ـ المصطفى ـ صلعم ـ النبي ـ يا رسول الله". كما نجد كذلك قول :"الباري عز وجل". فهذه الأقوال تحيل على تيمة "الحق". كما نجد أقوال أخرى تحيل على نفس التيمة، وهي :"أجمعت على ترك الكلام واتبعت الحديث وتلاوة القرآن ـ من عاداتنا بالبصرة أن يجتمع القراء وأهل العلم والفضل فيختم القرآن في تلك الليلة ـ قد تركت الكلام ولزمت كتاب الله وسنتك ـ جبريل ـ رؤياي جبريل".
يمكننا اختزال الوحدات المعجمية التي تحيل على تيمة "الحق" في هذه الأقوال السردية كالتالي:
الباري عز وجل ـ النبي ـ المصطفى ـ رسول الله ـ جبريل ـ الرؤيا ـ القرآن ـ رمضان ـ ليلة سبع وعشرين ـ الحديث ـ أهل العلم والفضل ـ كتاب الله وسنتك ـ نصرة المذاهب المروية عني فإنها الحق.
إن هذه الأقوال والصور مرتبطة بتيمة "الحق".
إن تيمة "الحق" تتكثف انطلاقا من عدة مسارات تصويرية متسلسلة في الخطاب بشكل قسري، وتيمة "الحق" كقطب للمقولة الإثنانية لا يمكن أن تتحقق إلا بتعارضها وتضادها مع تيمة "الضلال". ولا وجود "للضلال" إلا انطلاقا من تعارضها كذلك مع تيمة "الحق".فوجود تيمة "الحق" يقتضي وجود تيمة "الضلال" والعكس صحيح. و"الحق" كتيمة لا تتحقق إلا من خلال فعل التضاد مع "الضلال". فالاختلاف هو المحدد لتيمة "حق/ضلال. والخطاب لا يحقق انسجامه إلا من خلال البناء المتوازي لمكوناته سواء على المستوى الأفقي أو العمودي للنص. ولتحقيق قيمة "الضلال" في النص يكفي فقط إجراء فعل النفي على تيمة الحق. فيكفي فقط أن ننفي المسارات التصويرية التي تتمظهر عبرها تيمة "الحق"، أو تحيل عليها، لنتحول إلى الطرف الآخر من الثنائية : "الضلال".
يكثف المقطع الثالث ثنائية "الحق/الضلال" من خلال المسارات التصويرية التالية:
"فاستيقظت ـ ما بعد الحق إلا الضلال ـ أخذت في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك ـ يأتيني شيء والله ما سمعته من خصم قط ولا رأيته في كتاب، فعلمت أن ذلك من مدد الله تعالى الذي بشرني به رسوله".
إن تيمة "الحق" تتجسد بشكل واضح في هذه الأقوال السردية، فهي متضمنة في كل وحدة معجمية من المسارات التصويرية المكونة للمقطع. أما تيمة الضلال، فمتجسدة في المقطع بشكل خفي وعكسي، أو خلافي، إذ يكفي فقط أن ننفي الأقوال حتى نتحول إلى تيمة "الضلال"، والمتحقة بشكل خلافي ومغترب، إنها متحققة من خلال نفي تيمة "الحق". فالحق لا يوجد إلا من خلال نفي تيمة "الضلال". والضلال هو الحق المغترب أو المستلب في المقطع، بل في النص ككل. وهكذا، في النص ككل، لا تتحقق تيمة إلا من خلال نفي التيمة الأخرى، فالنص على هذا المستوى العميق يتأسس على عملية منطقية، وهي عملية "النفي / الإثبات.
النص على المستوى الدلالي ينهض من خلال عملية النفي / الإثبات، إثبات القيمة / نفي القيمة. أو نفي القيمة / إثبات القيمة. والمسارات التصويرية كلها تترجم هذه العملية المنطقية، فالخطاب يجسد تيمة "الحق"، وهي لا تتحقق إلا من خلال نفيها لتيمة "الضلال": "ما بعد الحق إلا الضلال". وتيمة "الضلال" لا تتحقق إلا من خلال نفي الذات، أي ذاتها، فتيمة "الحق" موجودة بالفعل. أما تيمة "الضلال" فموجودة بالقوة من خلال نفي الذات. فالدلالة في النص تشتغل من خلال علاقة النفي /الإثبات لتيمتي "الحق/الضلال". إنها تشتغل تحديدا بواسطة نفي الضلال وإثبات الحق، ويمكن التمثيل لهذه العلاقة في الشكل التالي:

الضلال الحق
نفي (-)
ـ سلب القيم المكثفة لتيمة "الحق"
ـ سلب المسارات التصويرية (الخطاب) إثبات (+)
ـ القيم المكثفة لتيمة "الحق" ــ موجبة
ـ المسارات التصويرية (الخطاب) موجبة

فنفس المقومات المكثفة لتيمة "الحق" يكفي فقط سلبها أو نفيها حتى تتحول إلى
الضلال الحق
نفي (-)
ـ نفي بدء رجوع الإمام = نفي التبرئة من الزيغ والتضليل = ضلال
ـ لا تنصر المذاهب المروية عني فإنها الباطل والضلال
ـ أجمعت على عدم ترك الكلام
ـ لم اتبع الحديث وتلاوة القرآن
ـ لم أترك الكلام ولم ألزم كتاب الله وسنتك
ـ ما بعد الضلال إلا الضلال
ـ ما عسى أن أفعل وقد خرجت للمذاهب المروية عنك وجوها يحتملها الكلام، واتبعت الأدلة الصحيحة التي يجوز إطلاقها على الباري عز وجل.
ـ ولم آخذ في نصرة الأحاديث... إثبات (+)
ـ بدء رجوع الإمام المبرأ من الزيغ والتضليل.
ـ انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق
ـ أجمعت على ترك الكلام
ـ اتبعت الحديث وتلاوة القرآن
ـ قد تركت الكلام ولزمت كتاب الله وسنتك
ـ ما بعد الحق إلا الضلال
ـ وأخذت في نصرة الأحاديث
إن الدلالة تتحقق من خلال التقابل بين "الحق" و"الضلال"، وبالضبط من خلال عملية النفي. فالنص كتحقق لقيمة الحق انطلاقا من القول السردي:"يا علي ! انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق"، لا تتحق إلا من خلال نفي "الضلال". فالدلالة تبني شكلها من عملية النفي هذه، أي من نفي الحق للضلال. والسؤال الذي نطرحه الآن هو :
ما هو هذا "الحق" وهذا "الضلال"؟ من يكونا؟
بمعنى آخر ما الذي يجسده كل من "الحق" و"الضلال"؟
إن الضلال وكما سبقت الإشارة في عرضنا لظروف النص، هو مذهب الاعتزال، أما "الحق" فهو "المذهب الجديد": مذهب الأشعري. والعلاقة بين المذهبين هي بالطبع علاقة نفي، نفي المذهب الأشعري للمذهب المعتزلي. فالحق/المذهب الشعري، وهو النفي للمذهب المعتزلي المشتهر بمبادئه الخمسة وبطابعه العقلاني. فالأشعرية تنفي مذهب الاعتزال تصورا ومنهجا ورؤية، وهنا تكمن وتعيش إشكالية سيطرت على علم الكلام خصوصا، والفكر الإسلامي عموما، وهي إشكالية العقل والنقل. وانطلاقا من التقابل الجديد / القديم بين الأشاعرة والمعتزلة سنحصل على الشكل التالي:
المعتزلة الأشاعرة
+العقل
+ الضلال
الأقوال السردية سالبة (+ نفي) + النقل
+الحق
ـ الأقوال السردية موجبة (+ إثبات)

النص يتأسس على فعل النفي، نفي المذهب الأشعري للمذهب المعتزلي، وهذا النفي يتحقق من خلال المسار التوليدي للخطاب، ويمكن أن نسمي هذا النفي "بالنفي الذاتي"، حيث يبئر النفي ذات أبي الحسن الأشعري، وهكذا انتقل من أبي الحسن المعتزلي إلى أبي الحسن الأشعري. وهذه النقلة تتم عبر فعل النفي. فأبو الحسن كان معتزليا، لكنه بفعل تدخل "الرسول" العامل المرسل، يتحول إلى "أشعري"، أي يؤسس مذهبا ينفي مذهب الاعتزال، ينفي مذهب العقل، ويكثف هذا النفي على مستوى الشبكة المفاهيمية للنص غياب مصطلحات ومفاهيم الاعتزال العقلية. فإذا ما استثنينا الوحدة المعجمية "الأدلة" والقول السردي التالي :"قد خرجت للمذاهب المروية عنك وجوها يحتملها الكلام، واتبعت الأدلة الصحيحة التي يجوز إطلاقها على الباري عز وجل"؛ حيث الإشارة إلى ميكانزم منهجي وهو "الدليل" الموظف في الاستدلال العقلي، وكذلك وجود مفهوم "التأويل" (التخريج) ومسألة "صفات الله"ـ ذات الله ذات المرجعية المعتزلية، فإن ما استثنينا هذه المفاهيم والوحدات المعجمية والمصطلحات، وعلى قلتها، فكل المفاهيم والوحدات المعجمية الأخرى تنتمي إلى الحقل السني أو النقلي، وذلك انسجاما بالطبع مع "المقصدية" : نفي "الضلال" ، نفي الاعتزال، نفي العقل، والتزام السنة والحديث أي : الحق. وفي كلمة واحدة : التزام تصور أرتودوكسي للدين.
ـ المربع السيميائي : النفي والإثبات:
إن النص وفي المستوى العميق يتشكل من العلاقات المنطقية بين "الحق" و"الضلال"، وكذلك من خلال العمليات التي تتحقق من التحول من قيمة إلى أخرى. ويمكن رصد هذه العلاقات التي تؤسس البنية الأولية للدلالة والتي حددناها في المقولة الإثنانية : الحق/الضلال. وكذلك العمليات التي ينجزها توالد الخطاب عبر تحقق البرنامج السردي الأساسي من خلال المربع السيميائي. وحسب سميوطيقا السرد فإن "المربع السيميائي يمثل للعلاقات الأساسية التي من خلالها توضع وحدات الدلالة أجل تشكيل فضاء دلالي قابل للتمظهر .
وسنعمل على حصر العلاقات المنطقية المتأسسة من خلال الوحدات الدلالية في النص انطلاقا من المربع السيميائي التالي:
ـ الأشاعرة ـ المعتزلة
ـ أهل النقل ـ أهل العقل
ـ نصرة المذاهب ـ الزيغ والتضليل
المروية
حق ضلال

لا ضلال لا حق
ـ القرآن والسنة ـ الفكر العقلاني
والحديث ـ الفلسفة
ـ الدين
ـ الفقه السني

فالمربع السيميائي يمثل لمجمل العلاقات والعمليات التي تشكل فضاء الدلالة في النص.
انطلاقا من المربع السيميائي نستطيع تصنيف العلاقات والعمليات والإمكانيات التي تشتغل عبرها الدلالة. فالدلالة تتأسس على مستوى العلاقات انطلاقا من علاقة التضاد بين "الحق" و"الضلال"، كما ذكرنا في تحليل المقومات الدلالية. إن نمو الدلالة يتحقق انطلاقا من عملية النفي/الإثبات؛ نفي المذهب المعتزلي أو الضلال (العقل) وإثبات المذهب الأشعري (النقل) أو الحق. فالحق كمقوم سياقي لا يتحقق إلا من خلال علاقة الاختلاف والتضاد مع الضلال. والدلالة تنمو كذلك من خلال علاقة التناقض، فمن هذه العلاقة يتحقق "الحق" كنقيض للاحق".
ويتحقق "الضلال" كنقيض "للاضلال".
وتتحقق الدلالة وتنحت شكلها من انطلاقا من العمليات التي تتأسس من العلاقات. وهذه العمليات تترجم عبر المربع السيميائي الذي يكون في الحالة الدينامية، إذ يمثل التحولات التي تخضع لها الدلالة. وبالطبع توافق كل علاقة عملية، فتبدو البنية الأولية للدلالة ليس كشبكة من العلاقات فحسب بل كذلك كشبكة من العمليات.
فعملية التناقض توافق عملية النفي التي تتكلف بالتحول من "الحق" إلى "اللاحق". "فالحق" ينمو في الخطاب من خلال نفيه لتيمة "اللاحق".
أما علاقة التضمن فتوافق عملية الاختيار المكلفة بالتحول من "اللاحق" إلى "الضلال". فهذه العلاقة تقتضي اختيار المقوم السياقي "ضلال" انطلاقا من "اللاحق" والعمل على إظهاره.
فهناك عمليتان تتحكمان في اشتغال الدلالة، وهما عملية النفي التي تعمل على التحول من "الحق" إلى "اللاحق"، وعملية الاختيار التي تعمل على التحول من "اللاحق" إلى "الضلال". ونفس العملية للتحول من "الضلال" إلى "الحق"، حيث تحقق"الضلال" من خلال نفيه "للاضلال" واختيار "الحق" من خلال "اللاضلال".

Admin
Admin

المساهمات : 86
تاريخ التسجيل : 15/10/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://atawassolal3ilmi.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى