منتدى التواصل العلمي
يهتم بلأبحاث و الدراسات في اللغة والأدب وتحليل الخطاب

قراءة في كتاب جماليات المكان لغاستون باشلار للباحث فليسي أمين

اذهب الى الأسفل

قراءة في كتاب جماليات المكان لغاستون باشلار للباحث فليسي أمين

مُساهمة  Admin في الأربعاء يناير 02, 2013 11:23 am

فليسي أمين
[code]


مقدمة:
لا شك أن المكان يمثل محورا أساسيا من المحاور التي تدور حولها نظرية الأدب، غير ان المكان –في الآونة الأخيرة- لم يعد يعتبر مجرد خلفية تقع فيها الأحداث الدرامية، كما لا يعتبر معادلا كنائيا للشخصية الروائية، ولكن أصبح ينظر إليه على أنه عنصر شكلي وتشكيلي من عناصر العمل الفني. و أصبح تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعدا جماليا من أبعاد النص الأدبي. هذا بالإضافة إلى أن المكان لا يزال يلعب دورا هاما في تكوين هوية الكيان الجماعي وفي التعبير عن المقومات الثقافية، وقد أثًرت العوامل البيئية على المفاهيم الأخلاقية والجمالية التي تحرك الشعوب في جميع أرجاء العالم .
ويصبح المكان إشكالية إنسانية إذا ما استُلب أو إذا حرمت منه الجماعة، ولذا فإنه يكتسب قيمة خاصة ودلالة مأساوية بالنسبة للمستعمرين واللاجئين .
ولهذا ستكون قراءتنا لكتاب غاستون باشلار المعنون بـ:"جماليات المكان" بمثابة محاولة لاستظهار بعض خصوصيات المكان كالبيت والكوخ والأعشاش والصناديق والخزائن، وبالتالي إبراز سمات ورمزية هذه الأماكن كما أشار إليها صاحب الكتاب.







يحاول صاحب الكتاب –غاستون باشلار –من خلال ما جاء في هذا الكتاب ان يفحص الصور البسيطة للمكان المناسب فهذه الدراسة تبحث في تحديد القيمة الانسانية لأنواع المكان الذي يمكننا الامساك به والذي يمكن الدفاع عنه ضد القوى المعادية، أي المكان الذي نحبه. يقول غاستون باشلار :"إن المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا ن ذات أبعاد هندسية فحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيًز، فالخيال يتخيل ويغني نفسه دون توقف بالصور الجديدة .
إذن كما تحدث عنه باشلار حيث أشار إلى ألفة المكان، فهو يطرح مسألة جماليات المكان. فهو يتحدث في الفصل الاول عن البيت وسماته ورمزيته حيث يقول ان كل الامكنة المأهولة تحمل جوهر فكرة البيت ويعتبره كوناَ حقيقياَ بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إن الانسان يختلق لنفسه بيتا ويصمم له جدرانا ويعيش تجربة البيت بكل واقعيتها وحقيقتها من خلال الأفكار والأحلام.
وبهذا يقول غاستون باشلار :"لو طلِب إليَ أن أذكر الفائدة الرئيسية للبيت لقلت أن البيت يحمي أحلام اليقظة والحالم، ويتيح للإنسان أن يحلم بهدوء ." ونظرا لأن ذكرياتنا عن البيوت التي سكنًاها نعيشها مرًة أخرى كحلم يقظة، فإن هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة . إذن يمكن أن نستخلص هنا من خلال ما ذكره غاستون باشلار أن البيت يمكن اعتباره واحدا من أهم العوامل التي تدمج أفكار وذكريات وأحلام الإنسانية.
إذا كان مؤلف الكتاب سيتحدث في كتابه هذا عن جماليات المكان، فإنه سيستهل في الفصل الأول بالحديث عن مسألة جماليات البيت ويطرح عدة تساؤلات من بينها :
- كيف يمكن للحجرات السرًية، الحجرات التي اختفت من الوجود أن تصبح ملاجئ لماضي لا يُنسى؟
- أين وكيف نجد الراحة؟
من الواضح أن البيت كيان مميز لدراسةٍ ظاهراتية لقيَمِ أُلفَةِ المكان من الداخل، على أن ندرسه كوحدة بكل تعقيداته، وأن نسعى إلى دمج كل قيمهِ الخاصة بقيمة واحدة أساسية وذلك لأن البيت يمدُنا بِصور مُتفرقة، وفي الوقت ذاته يمنحنا مجموعة متكاملة من الصور ولا تقتصر مسألة البيت على إعطاء وصف له فحسب وما تقدمه لنا مساحاته المختلفة من الراحة والاطمئنان، بل على العكس من ذلك فعلينا تجاوز وصف البيت إلى إعطاء أو تقديم الروابط والصفات النفسية التي تحدث لدى ساكن البيت .

فمثلا يقدم لنا الجغرافي أو عالم الإثنوغرافيا أوصافا لمختلف أنواع البيوت، ويقدم لنا الظاهراتي فيبحث عن الهناء والسعادة التي يوفرها هذا النوع أو ذاك . وهذا يعني البحث عن علاقة ارتباط الشخص بمكان ما دون آخر. يقول غاستون باشلار :"البيت هو ركننا في العالم، كما قيل مرارا هو كوننا الأول ." ، ونظرا لأن ذكرياتنا عن البيوت التي سكنًاها مرًة أخرى كحلم يقظة، فإن هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة.
إذن يمكن أن نستخلص هنا من خلال ما ذكره غاستون باشلار أن البيت يمكن اعتباره واحدا من أهم العوامل التي من خلالها يمكن ترسيخ وتطبيع الذكريات والأحلام .
يشكل البيت مجموعة من الصور التي تعطي الانسانية براهين أو أوهام التوازن، ونحن نعيد تخيل حقيقتها باستمرار وهذه الصور نعني بها وصف روح البيت. ولتنظيم هذه الصور علينا أن نأخذ في الاعتبار موضوعين أساسين مترابطين:
الأول: نتصور البيت كائنا عموديا، إنه يرتفع إلى الأعلى، فيميز نفسه بعموديته . الثاني: نتخيل البيت كوجود مكثف، إنه يتوجه إلى وعينا بالمركزية .
ومن خلال ما سبق، فإن باشلار يقول بأن العمودية في البيت تتجسد من خلال الاستقطاب بين القبو و العلية . وينطبق هذا الاستقطاب بعمق إلى درجة أنه يفتح أمامنا منظورين مختلفين لظاهرية الخيال. والواقع أننا نستطيع دون تعليق مقابلة عقلانية السقف بلا عقلانية القبو، فالسقف يكشف سبب وجوده فهو يحمي الانسان من المطر والشمس اللذين يخافهما. أما بالنسبة للقبو فسوف نجد له منافع دون شك، ويمكن تبرير وجوده وتعداد ميزاته ولكن أولا وقبل كل شيء هو الهوية المظلمة للبيت، هو الذي يشارك قوى العالم السفلي حياتها. يقول غاستون باشلار :"في العلية يسهل تعقيل مخاوفنا، بينما في القبو، حتى بالنسبة لرجل شجاع أن يكبت مخاوفه ."
ولتوضيح أكثر سيقدم صاحب الكتاب هذا المثال، في باريس لا يوجد بيوت والسكان يعيشون في صناديق مفروضة عليهم، حيث كتب بول كلوديل: "حجراتنا في باريس، داخل جدراننا الأربع، نوع من المكان الهندسي، ثقب تقليدي، نؤثثه بالصور والأشياء والخزائن داخل خزانة ."

ويأتي غاستون باشلار في جزء آخر ليصف لنا البيت مع الظروف المحيطة به، وذلك من خلال عرضه لبعض الأمثلة لكتاب أمثال ريلكه، وهذا ما كتبه إلى صديقته الموسيقية الشقراء:"هل تعلمين أنني حين أكون في المدينة أشعر بالخوف من العواصف بالليل، إذ تبدو لي بشموخها الكوني وكأنها لا ترانا، ولكنها ترى بيتا وحيداَ في الريف، تحتضنه هذه العاصفة بأذرعها وتعلمه كيف يواجه الصعوبات، عندما تكونين فيه فانك تحبين أن تخرجي من البيت وتقفين في وسط الحديقة المزمجرة، أو على الأقل تقفين وراء النافذة لتهللي للأشجار العتيقة الغاضبة التي تتلوى وتدور وكأنها مسكونة بأرواح الأنبياء ." يحلل باشلار ويقول أنه على المستوى السطحي تبدو هذه السطور وكأنها نفي للبيت ولوظيفة السكنى، فعندما تزأر العاصفة وتسوط الأشجار فإن ريلكه يرغب في مغادرة حماية البيت والخروج لا للتمتع بالريح والمطر بل ليواصل أحلامه بين الأشجار، في حين يرى بيوت الناس ويتخلى عنها .
فالبيت والفراغ ليسا مجرد عنصرين متجاورين من المكان، فهما في مملكة الخيال، يثيران أحلام يقظة متعارضة. أحيانا ينمو البيت ويتمدد فتحتاج الحياة فيه إلى مرونة أكبر في أحلام اليقظة، نحتاج إلى أحلام يقظة أقل وضوحا وتحددا. كتب جورج سبيراداكي يقول:"بيتي شفاف ولكنه ليس من زجاج طبيعته أقرب إلى البخار، تتقلص جدرانه وتتمدد حسب هواي أحيانا أجذبها إليَ حتى تصبح درع واق، وأحيانا أخرى أدع جدران بيتي تتفتح كزهرة وتأخذ مداها في المكان، هذا المكان المتسع لما لا نهاية ."
هذا البيت-حسب باشلار- يتنفس في البداية يكون درعا ثم يتمدد لما لا نهاية وهذا يعني أننا نعيش في داخله الأمان و المغامرة بالتناوب، حيث أنه زنزانة وعالم في نفس الوقت وبالتالي تم هنا تجاوز الهندسة .
إن ثلاثية الماضي والحاضر والمستقبل تمنح البيت ديناميات مختلفة، ولهذا يقول صاحب الكتاب :" فبدون البيت يصبح الإنسان كائنا مفتتا، إنه يحفظه من عواصف السماء وأهوال الأرض ."
وفي الأخير وحسب رأينا، فإن البيت جسد وروح وهو عالم الإنسان الأول، وبالتالي فيمكن القول أن الشاعر يعرف جيدا أن البيت يحمل أحلام الطفولة الساكنة بين ذراعيه، فكما يقول ريلكه: البيت، قطعة المرج، ياضوء السماء.
فجأة تكتسب وجها يكاد يكون إنسانيا.
أنت قريبٌ منا للغاية، تعانقنا ونعانقك.
إذن فالخيال يهرب بنا دائما في وصف البيت، والشعر يقدم لنا صورا كان علينا دائما أن نتخيلها خلال تصورنا لملامح البيت، وبالتالي فهناك صور لا حصر لها تجيء لتزخرف لنا كلمات الشعر التي نظمت في سبيل البيت.

مقدمة:
لا شك أن المكان يمثل محورا أساسيا من المحاور التي تدور حولها نظرية الأدب، غير ان المكان –في الآونة الأخيرة- لم يعد يعتبر مجرد خلفية تقع فيها الأحداث الدرامية، كما لا يعتبر معادلا كنائيا للشخصية الروائية، ولكن أصبح ينظر إليه على أنه عنصر شكلي وتشكيلي من عناصر العمل الفني. و أصبح تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعدا جماليا من أبعاد النص الأدبي. هذا بالإضافة إلى أن المكان لا يزال يلعب دورا هاما في تكوين هوية الكيان الجماعي وفي التعبير عن المقومات الثقافية، وقد أثًرت العوامل البيئية على المفاهيم الأخلاقية والجمالية التي تحرك الشعوب في جميع أرجاء العالم .
ويصبح المكان إشكالية إنسانية إذا ما استُلب أو إذا حرمت منه الجماعة، ولذا فإنه يكتسب قيمة خاصة ودلالة مأساوية بالنسبة للمستعمرين واللاجئين .
ولهذا ستكون قراءتنا لكتاب غاستون باشلار المعنون بـ:"جماليات المكان" بمثابة محاولة لاستظهار بعض خصوصيات المكان كالبيت والكوخ والأعشاش والصناديق والخزائن، وبالتالي إبراز سمات ورمزية هذه الأماكن كما أشار إليها صاحب الكتاب.







يحاول صاحب الكتاب –غاستون باشلار –من خلال ما جاء في هذا الكتاب ان يفحص الصور البسيطة للمكان المناسب فهذه الدراسة تبحث في تحديد القيمة الانسانية لأنواع المكان الذي يمكننا الامساك به والذي يمكن الدفاع عنه ضد القوى المعادية، أي المكان الذي نحبه. يقول غاستون باشلار :"إن المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا ن ذات أبعاد هندسية فحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيًز، فالخيال يتخيل ويغني نفسه دون توقف بالصور الجديدة .
إذن كما تحدث عنه باشلار حيث أشار إلى ألفة المكان، فهو يطرح مسألة جماليات المكان. فهو يتحدث في الفصل الاول عن البيت وسماته ورمزيته حيث يقول ان كل الامكنة المأهولة تحمل جوهر فكرة البيت ويعتبره كوناَ حقيقياَ بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إن الانسان يختلق لنفسه بيتا ويصمم له جدرانا ويعيش تجربة البيت بكل واقعيتها وحقيقتها من خلال الأفكار والأحلام.
وبهذا يقول غاستون باشلار :"لو طلِب إليَ أن أذكر الفائدة الرئيسية للبيت لقلت أن البيت يحمي أحلام اليقظة والحالم، ويتيح للإنسان أن يحلم بهدوء ." ونظرا لأن ذكرياتنا عن البيوت التي سكنًاها نعيشها مرًة أخرى كحلم يقظة، فإن هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة . إذن يمكن أن نستخلص هنا من خلال ما ذكره غاستون باشلار أن البيت يمكن اعتباره واحدا من أهم العوامل التي تدمج أفكار وذكريات وأحلام الإنسانية.
إذا كان مؤلف الكتاب سيتحدث في كتابه هذا عن جماليات المكان، فإنه سيستهل في الفصل الأول بالحديث عن مسألة جماليات البيت ويطرح عدة تساؤلات من بينها :
- كيف يمكن للحجرات السرًية، الحجرات التي اختفت من الوجود أن تصبح ملاجئ لماضي لا يُنسى؟
- أين وكيف نجد الراحة؟
من الواضح أن البيت كيان مميز لدراسةٍ ظاهراتية لقيَمِ أُلفَةِ المكان من الداخل، على أن ندرسه كوحدة بكل تعقيداته، وأن نسعى إلى دمج كل قيمهِ الخاصة بقيمة واحدة أساسية وذلك لأن البيت يمدُنا بِصور مُتفرقة، وفي الوقت ذاته يمنحنا مجموعة متكاملة من الصور ولا تقتصر مسألة البيت على إعطاء وصف له فحسب وما تقدمه لنا مساحاته المختلفة من الراحة والاطمئنان، بل على العكس من ذلك فعلينا تجاوز وصف البيت إلى إعطاء أو تقديم الروابط والصفات النفسية التي تحدث لدى ساكن البيت .

فمثلا يقدم لنا الجغرافي أو عالم الإثنوغرافيا أوصافا لمختلف أنواع البيوت، ويقدم لنا الظاهراتي فيبحث عن الهناء والسعادة التي يوفرها هذا النوع أو ذاك . وهذا يعني البحث عن علاقة ارتباط الشخص بمكان ما دون آخر. يقول غاستون باشلار :"البيت هو ركننا في العالم، كما قيل مرارا هو كوننا الأول ." ، ونظرا لأن ذكرياتنا عن البيوت التي سكنًاها مرًة أخرى كحلم يقظة، فإن هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة.
إذن يمكن أن نستخلص هنا من خلال ما ذكره غاستون باشلار أن البيت يمكن اعتباره واحدا من أهم العوامل التي من خلالها يمكن ترسيخ وتطبيع الذكريات والأحلام .
يشكل البيت مجموعة من الصور التي تعطي الانسانية براهين أو أوهام التوازن، ونحن نعيد تخيل حقيقتها باستمرار وهذه الصور نعني بها وصف روح البيت. ولتنظيم هذه الصور علينا أن نأخذ في الاعتبار موضوعين أساسين مترابطين:
الأول: نتصور البيت كائنا عموديا، إنه يرتفع إلى الأعلى، فيميز نفسه بعموديته . الثاني: نتخيل البيت كوجود مكثف، إنه يتوجه إلى وعينا بالمركزية .
ومن خلال ما سبق، فإن باشلار يقول بأن العمودية في البيت تتجسد من خلال الاستقطاب بين القبو و العلية . وينطبق هذا الاستقطاب بعمق إلى درجة أنه يفتح أمامنا منظورين مختلفين لظاهرية الخيال. والواقع أننا نستطيع دون تعليق مقابلة عقلانية السقف بلا عقلانية القبو، فالسقف يكشف سبب وجوده فهو يحمي الانسان من المطر والشمس اللذين يخافهما. أما بالنسبة للقبو فسوف نجد له منافع دون شك، ويمكن تبرير وجوده وتعداد ميزاته ولكن أولا وقبل كل شيء هو الهوية المظلمة للبيت، هو الذي يشارك قوى العالم السفلي حياتها. يقول غاستون باشلار :"في العلية يسهل تعقيل مخاوفنا، بينما في القبو، حتى بالنسبة لرجل شجاع أن يكبت مخاوفه ."
ولتوضيح أكثر سيقدم صاحب الكتاب هذا المثال، في باريس لا يوجد بيوت والسكان يعيشون في صناديق مفروضة عليهم، حيث كتب بول كلوديل: "حجراتنا في باريس، داخل جدراننا الأربع، نوع من المكان الهندسي، ثقب تقليدي، نؤثثه بالصور والأشياء والخزائن داخل خزانة ."

ويأتي غاستون باشلار في جزء آخر ليصف لنا البيت مع الظروف المحيطة به، وذلك من خلال عرضه لبعض الأمثلة لكتاب أمثال ريلكه، وهذا ما كتبه إلى صديقته الموسيقية الشقراء:"هل تعلمين أنني حين أكون في المدينة أشعر بالخوف من العواصف بالليل، إذ تبدو لي بشموخها الكوني وكأنها لا ترانا، ولكنها ترى بيتا وحيداَ في الريف، تحتضنه هذه العاصفة بأذرعها وتعلمه كيف يواجه الصعوبات، عندما تكونين فيه فانك تحبين أن تخرجي من البيت وتقفين في وسط الحديقة المزمجرة، أو على الأقل تقفين وراء النافذة لتهللي للأشجار العتيقة الغاضبة التي تتلوى وتدور وكأنها مسكونة بأرواح الأنبياء ." يحلل باشلار ويقول أنه على المستوى السطحي تبدو هذه السطور وكأنها نفي للبيت ولوظيفة السكنى، فعندما تزأر العاصفة وتسوط الأشجار فإن ريلكه يرغب في مغادرة حماية البيت والخروج لا للتمتع بالريح والمطر بل ليواصل أحلامه بين الأشجار، في حين يرى بيوت الناس ويتخلى عنها .
فالبيت والفراغ ليسا مجرد عنصرين متجاورين من المكان، فهما في مملكة الخيال، يثيران أحلام يقظة متعارضة. أحيانا ينمو البيت ويتمدد فتحتاج الحياة فيه إلى مرونة أكبر في أحلام اليقظة، نحتاج إلى أحلام يقظة أقل وضوحا وتحددا. كتب جورج سبيراداكي يقول:"بيتي شفاف ولكنه ليس من زجاج طبيعته أقرب إلى البخار، تتقلص جدرانه وتتمدد حسب هواي أحيانا أجذبها إليَ حتى تصبح درع واق، وأحيانا أخرى أدع جدران بيتي تتفتح كزهرة وتأخذ مداها في المكان، هذا المكان المتسع لما لا نهاية ."
هذا البيت-حسب باشلار- يتنفس في البداية يكون درعا ثم يتمدد لما لا نهاية وهذا يعني أننا نعيش في داخله الأمان و المغامرة بالتناوب، حيث أنه زنزانة وعالم في نفس الوقت وبالتالي تم هنا تجاوز الهندسة .
إن ثلاثية الماضي والحاضر والمستقبل تمنح البيت ديناميات مختلفة، ولهذا يقول صاحب الكتاب :" فبدون البيت يصبح الإنسان كائنا مفتتا، إنه يحفظه من عواصف السماء وأهوال الأرض ."
وفي الأخير وحسب رأينا، فإن البيت جسد وروح وهو عالم الإنسان الأول، وبالتالي فيمكن القول أن الشاعر يعرف جيدا أن البيت يحمل أحلام الطفولة الساكنة بين ذراعيه، فكما يقول ريلكه: البيت، قطعة المرج، ياضوء السماء.
فجأة تكتسب وجها يكاد يكون إنسانيا.
أنت قريبٌ منا للغاية، تعانقنا ونعانقك.
إذن فالخيال يهرب بنا دائما في وصف البيت، والشعر يقدم لنا صورا كان علينا دائما أن نتخيلها خلال تصورنا لملامح البيت، وبالتالي فهناك صور لا حصر لها تجيء لتزخرف لنا كلمات الشعر التي نظمت في سبيل البيت.


فليسي أمين






الأدمين: نبيل محمد صغير

Admin
Admin

المساهمات : 86
تاريخ التسجيل : 15/10/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://atawassolal3ilmi.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى